حبيب الله الهاشمي الخوئي
181
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
نعم أمور الدّين وأحكام الشرع المبين قد كانت يومئذ معطَّلة مختلَّة مضطربة ليس لها حافظ ولا مدبّر لغلبة التقية وكون أئمّة الحق في زاوية الخمول غير متمكنين من إقامة دعائم الشريعة ومن حفظ مراسمها وإصلاح معالمها . فان قلت : الظاهر أنّ مراد الشارح بقوله : عن مدبّر يدبرها ، من يدبّر في رفع تلك الفتنة لا من يدبّر في ترويجها وتقويتها ، والقرينة على أنّ مراده ذلك قوله ويحفظ الأمور وينتظم الدّين كما هو غير خفى . قلت : سلَّمنا ظهور كلامه بقرينة الجملتين المعطوفتين في كون مراده ما ذكرت إلَّا أنّ بقوله عليه السّلام قبل أن تشغر برجلها فتنة لا يدلّ على هذا المعنى أصلا كما هو واضح لا يخفى . والذي عندي في شرح هذه الفقرة أنه شبّه الفتنة على سبيل الاستعارة بالكناية بالبعير الشموس الذي يرفع رجله ويدوس من لقاه ويطأ في خطامه ويخبط من قاربه ودناه ، لعدم قائد يقوده ولا ممسك يمسكه فأثبت لها الشغر بالرجل والوطاء في الخطام تخييلا وترشيحا للاستعارة . ووجه الاستعارة أنّ البعير الموصوف بالأوصاف المذكورة كما أنه يكون عامّ الضرر ليس له من أذيه رافع ولا رادع ، فكذلك هذه الفتنة عند بروزها وظهورها لا يكون من مضارّها ومفاسدها رادّ ولا مانع . ونظير هذا التشبيه ما مرّ في المختار الثاني في قوله : في فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها وقامت بهم على سنابكها . وقوله ( وتذهب بأحلام قومها ) نظير ما مرّ في المختار الثاني تلو العبارة المتقدّمة آنفا : فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون . والمراد أنّ تلك الفتنة لشدّتها وقوّة الباطل فيها وضعف الحقّ فيها وغلبة الضلال على أهلها يذهب بعقول ذوى العقول فيتردّدون في معرفة الحقّ ولا يهتدون إلى سبيل الرّشاد وطريق الصلاح والسداد إلَّا من عصمه اللَّه بفضله وهداه إلى قصد سبيله ، وهو الهادي إلى النهج القويم والصراط المستقيم